ابن كثير
66
البداية والنهاية
السلطان أكرمه وعظمه وولاه قضاء الحنفية وتدريس الناصرية والصالحية ، وجامع الحاكم ، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أياما ثم مات . وفي نصف هذا الشهر مسك من دمشق سبعة أمراء ومن القاهرة أربعة عشر أميرا . وفي ربيع الآخر اهتم السلطان بطلب الأمير سيف الدين سلار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه ثم استخلص منه أمواله وحواصله في مدة شهر ، ثم قتل بعد ذلك ( 1 ) فوجد معه من الأموال والحيوان والأملاك والأسلحة والمماليك والبغال والحمير أيضا والرباع شيئا كثيرا ، وأما الجواهر والذهب والفضة فشئ لا يحد ولا يوصف في كثرته ( 2 ) ، وحاصل الامر أنه قد استأثر لنفسه طائفة كبيرة من بيت المال ( 3 ) وأموال المسلمين تجري إليه ، ويقال إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريما محببا إلى الدولة والرعية والله أعلم . وقد باشر نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمان وتسعين إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشرين هذا الشهر ، ودفن بتربته ليلة الخميس بالقرافة ، سامحه الله . وفي ربيع الآخر درس القاضي شمس الدين بن المعز الحنفي بالظاهرية عوضا عن شمس الدين الحريري ، وحضر عنده خاله الصدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقية القضاة والأعيان . وفي هذا الشهر كان الأمير سيف الدين استدمر قد قدم دمشق لبعض أشغاله ، وكان له حنو على الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، فاستنجز له مرسوما بنظر دار الحديث وتدريس العذراوية ، فلم يباشر ذلك حتى سافر استدمر ، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية ، وذكر أنه وجد عنده شئ من المنكرات ، واجتمع عليه جماعة من أهل الصالحية مع الحنابلة وغيرهم ، وبلغ ذلك نائب السلطنة فكاتب فيه ، فورد الجواب بعزله عن المناصب الدينية ، فخرجت عنه دار الحديث الأشرفية وبقي بدمشق وليس بيده وظيفة لذلك ، فلما كان في آخر رمضان سافر إلى حلب فقرر له نائبها استدمر شيئا على الجامع ، ثم ولاه تدريسا هناك وأحسن إليه ، وكان الأمير استدمر قد انتقل إلى نيابة حلب في جمادى الآخرة عوضا عن سيف الدين قبجق توفي ، وباشر مملكة حماة بعده الأمير عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بن محمود بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، وانتقل جمال الدين آقوش الأفرم من صرخد إلى نيابة طرابلس عوضا عن الحاج بهادر . وفي يوم الخميس سادس عشر
--> ( 1 ) في تذكرة النبيه 2 / 29 : اعتقل ومنع من الزاد - في سلخ ربيع الآخرة - فمات بعد أيام جوعا . ( انظر بدائع الزهور 1 / 436 السلوك 1 / 873 ) . ( 2 ) انظر تفاصيل فيما صودر به من أموال وأملاك وغيرها بدائع الزهور 1 / 436 - 437 وفيه : قال بعض المؤرخين : عجبت من أمر سلار في جمع هذه الأموال العظيمة ، وكانت مدته في نيابة السلطنة إحدى عشرة سنة ، فكيف حوى هذه الأموال العظيمة في هذه المدة اليسيرة ؟ ( ص 438 ) . ( 3 ) كانت مفاتيح بيت المال بيده عندما توجه الملك الناصر إلى الكرك ، فالأرجح أنه اصطفى لنفسه ما قدر عليه ( بدائع الزهور 1 / 438 ) .